السيد عبد الأعلى السبزواري

159

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

ومن هذا الجواب يستفاد أنّ سؤالهم لم يكن من الخصومة والجدال بل كان سؤال مستفسر مستوضح ، ولذا رجعوا إلى ما كان قد غفلوا عنه ، وفوّضوا الأمر إليه تعالى بعد ما تبين لهم الحال . وفي هذه الآية المباركة جملة من الآداب بين السائل والمجيب ففيها إيماء إلى أن الإنسان يجب أن لا يغفل عن كونه مخلوقا ناقصا مهما بلغ من الكمال ، وأن لا يأنف من الاعتراف بالجهل إذا كان لا يعلم ، وأن لا يكتم العلم إذا كان يعلم ، ويجب عليه أن يحفظ مقام معلمه في تواضع وأدب . قوله تعالى : قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ . أي أعلمهم بالأسماء التي عجزوا عن علمها ، وإيكال تعليم الملائكة إلى آدم ( عليه السلام ) يدل على أفضلية مرتبة الخلافة عنهم . وقد نادى اللّه سبحانه جملة من أنبيائه في القرآن العظيم بأسمائهم العلمي فقال تعالى : يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا [ سورة هود ، الآية : 48 ] ، وقال تعالى : يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا [ سورة الصافات ، الآية : 105 ] ، وقال تعالى : يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ [ سورة القصص ، الآية : 31 ] ، وقال تعالى : يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ [ سورة المائدة ، الآية : 116 ] . وأما سيد الأنبياء فلم يخاطبه عزّ وجل إلّا بأوصافه فقال تعالى : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ [ سورة الأنفال ، الآية : 64 ] أو يا أَيُّهَا الرَّسُولُ [ سورة المائدة ، الآية : 41 ] و طه و يس فيكون له سبحانه وتعالى معه ( صلّى اللّه عليه وآله ) أدب ، وللرسول معه عزّ وجل حالات خاصة . قوله تعالى : فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ . يدل على أن استكمال الملائكة بالعلم إنما يكون بواسطة أنبياء اللّه وحججه ولا محذور فيه بل الأدلة العقلية والنقلية تؤيد ذلك . ولعل من اسرار نزول الملائكة في ليلة القدر - أو مشايعتهم لبعض السور حين نزولها على النبي الأعظم ( صلّى اللّه عليه وآله ) - هو الاستفادة مما ينزل على النبي ، أو ولي الأمر ، وعلى هذا يكون بين الملائكة اختلاف في الفضل حسب كثرة حشرهم ومخالطتهم مع الأنبياء والحجج وقلته ، وللكلام